محمد كرد علي

82

خطط الشام

علمتهم أن وراء حياتهم المادية حياة معنوية . لا تبقي لهم مادياتهم بدون الأخذ بحظ وافر منها ، علمتهم بسائط من التاريخ وحال الأمم وسياسات السياسيين وقوانين المشرعين واستعمار المستعمرين وتدليس المدلسين ، وأن أمتهم كانت شيئا مذكورا فيما مضى ، ولا حياة للأحفاد بدون الأخذ من سيرة الأجداد ، والاقتباس من المدنية الحديثة كل ما لا ينزع منهم مشخصاتهم ومقدساتهم ، وأصبح بعض العامة ممن أدمنوا تلاوة الصحف وتفهمها . أرقى عقلا من كثير ممن كانوا يسمونهم بالخاصة منذ مئة أو مئين من السنين . علمتهم أن لا قيام لأمرهم إلا بالقومية العربية ، وأن نغمة الدين وحدها لا تنجيهم مما هم فيه لأن التساهل بأمور الدنيا يذهب بالدين والدنيا معا . علمتهم أن الغرب لا يريد خيرا للشرق ، والشرق شرق والغرب غرب ، وأن الأقليات التي كانت تصرفها أوروبا بحسب أميالها السياسية لا تعيش إلا بالاندماج في الأكثريات ، وتوحيد المقاصد الوطنية . وكل أمة تحكم برأي السواد الأعظم من أبنائها . علم معظم الناس ، إلا أناسا مأخوذين بتعصبات مذهبية ونعرات طائفية ، أن الغرب لتحقيق أغراضه يفادي بكل من يمتون إليه بصلة من صلات القربى المذهبية ، وأن الاعتبار عنده للمصلحة كيفما كانت وكان السبيل إلى الحصول عليها ، وقاعدتهم كلهم الغاية تبرر الواسطة . ولقد عرفت الحكومات التي استولت على هذه الديار منذ نشأة الصحافة الشامية كيف تستفيد من هذه القوة ، فكانت تحتال في أول دور أن تشرّف صاحب الجريدة برتبة لها ووسام ، ومن خالف الصدع بأمرها تكسر قلمه وتشرده وتسجنه وتنزل عليه غضبها ، وقد تجلى ذلك في الثلث الأخير من الدور الحميدي ، فلما أعلن القانون الأساسي أخذ الأتراك الذين قبضوا بعده على زمام المملكة يتوسعون في هذا المبدإ مبدأ السير بقوة الصحافة إلى الغرض الذي يرمون إليه ، فصانعوا بعض أربابها وضحكوا من بعضهم بإكرامهم وإعطائهم مالا . ولما جاءت الحكومات المنتدبة وهي من أعرف الأمم بتأثير الصحافة في الأفكار لم تقصر في اتخاذ هذه النظرية على طريقة جمعت أيضا بين الرغبة والرهبة والعطاء والمنع . ولم تخل الشام في كل دور من أناس باعوا في خدمة صاحب القوة ضمائرهم . شأن كل أمة جديدة في الحياة السياسية ، ولكن ظهر ذلك جليا في صحافتنا لأن الدعاة للقوة ضعاف ،